الشرفة وحماقة الانتظار

                                            

كثيرا ما يأتينا القدر بالمفاجآت في مكان وزمان غريبين، .يباغتنا من بعد عمر أسدلت الظلمة عليه ستارا من العذاب.

على أول رصيف بالحياة التقيت به، تحاضنا ، تناجينا ، تهاتفنا، تهامسنا، عبقنا من الأحلام الكثير وارتشفنا معا رحيق الأمل، ورسمنا على جدار الزمن لوحة غدنا ونقشنا على الشجر أجمل أمنية لنا. 

تعانقنا بوجد، بكثير من اللهفة، بعمق حزن ولوعة شوق ، أحاسيس أنبتت فيّ وفيه ربيعاً تشتهي العين رِؤياه وتصبو النفس إلى التفيؤ تحت ظلاله.
وصمتت لنا الأكوان ..الشمس والشجر والجبال والعشب والطيور. فالكون يسمو بالمشاعر والأحاسيس لأن كل ما فيه ينطق بالحب. 
باركت الشمس عشقنا وظللت الأشجار دفء حضننا، وشمخت الجبال بعظمة إحساسنا ولكن لا بدّ وأن يتبدل المكان! أفقنا من غفوة مع الزمن بعدما شربنا كؤوس العشق حتى الثمالة، كان لا بدّ من شيء يفرضه الزمن علينا لأنه ليس من طبع الدّهر أن يتركك وآمالك فلا بد من تدخله. غيّر أرصفتنا، وأفقر أحضاننا، وجعل قلوبنا بالحزن تعمُر وبالضنى تثقُل، لم يعد صدرك لتضمّني إليه، ولم يعد حضنك ينتظرني لأجد فيه مرساي ومرفئي.
وأخذتنا السنون كل منا يشرب كأس حزنه ولوعته وفرقته، نتوه بدوامة بحر يحكيك ويحكيني، يبكيك ويبكيني، لم يعُد الجرح جرحا، بل جراحا أنّت، لا تسمعني ولا أسمعك وكلّ عام يمر يخلق في نفسي دهرا من العذاب، أدعو الصبر فلا أستطيع النسيان، كم حاولت أن أنساك، وفي كل مرة يطلّ وجهك وعيناك وصدرك الذي طالما حمل وابتلع تنهداتي، يطلّ من بعيد، من خلف الجسور، فتضمني إليك وأنسى النسيان، حماقة النسيان.
أجل إن نسيتك فماذا يبقى من عمري أذكره؟ فزهرة عمري فاحت في دنياك، وبراعم صباي تفتحت بين يديك. كثيرٌ من الحماقات نرتكبها، وكثير من الجنون، لكن أيّ جنون هذا الذي كان، حبه جنون، غيرته جنون، بُعده كذلك جنون، ورحيله بقارب وحده، وتركي أصارع أمواج الحياة بقرار جنوني هو كذلك جنون.
أذكر يومها أن دعاني لمأتم عشقنا، وتوشحت سواد القلب في داخل غرفة شيّّعنا فيها جثمان الحب والعهد بأن نكون لبعضنا، كان غامضا صامتا، صمته يسبق كل كلمة له يهرب بنظراته في زوايا الغرفة كي لا أتأملها، يأتي بالكلمات ويناقضها، ثم يطلب رحيلي بقطار أيامي بعيدا عن سكة أحلامه، ويصمت…… وأنا أستجديه بأن ينطق.
شلالات من المتناقضات، لم أفهم شيئا حينذاك، لأنه أراد فقط أن أشيّع جثمان حبي. والأغرب أنه طلب مني أن لا أبكي على شهيدي، وأن لا أذرف دمعة وألا أعاتب قدرا ولا أنحب.

ودخلت عالما من الجنون، رغما عني كانت العاصفة، وكان لا بدّ من الرحيل، وانتهى الوقت كلّ الوقت، بل انتهى الكلام، ولم نعد نرجو الصمت أو الكلام، وغابت شمسنا. ولم تعد هناك أمسيات، ولم يعد قلب الليل يحضننا، ولا غيمة السماء تجود علينا بغيث فرحة أو لقاء.

فمن السهل أن تؤمن بالموت لمن تحب وتصبر، ولكن من الصعب أن تصدقَ أنه تخلى عنك، وتركك بعد أعوام من العشق واللهفة والتضحيات. 
ولكن الحياة تباغتنا بالكثير من الانكسارات والهزائم التي لم تتركنا إلا كطيرين عصفت بهما عاصفة، وأدمتهما مهيضة جناحيهما. 
وذهب كل منا في طريق!و لم أعد أعلم عنه شيئا،حيث ترك البلد ورحل حتى ينسى وماذا ينسى؟ ولماذا ينسى؟ فهو الذي سكن دهاليز الذاكرة، ولم يكن يوما في واجهة النسيان، رجل أقسم العهد، رجل لو وزّع الحب الذي بين ضلوعه لما وسعته الدنيا، ولعجز الكون عن حمله، ولو كان للعشق أوسمة لكان أول من يتقلد ذاك الوسام، فقد كتب بالدم حكاية عشقه، وكان يساهر الليل كلّ الليل بحرقته ومناجاته وآلامه، ولم يكن حبه إلا جنونا. ولكن لا بد للزمن أن يدور بأيامه وأشهره وأعوامه، ويغيّر ملامحنا وعناويننا.

حملت فيها جراحي المثخنة ومشيت، ساعة أبكي على ضياع عمري، وساعة أدملُ جرحي، وأياما أنحبُ فقدانه، عديد من السنوات انتظرته على شرفتي، أناديه لعلّه يسمعني، ولعلّه يأتي، وأسال ذاتي: هل زاره طيفي؟ هل عذبه فراقي؟ هل أرّقه رحيلي؟ أسئلة كثيرة وعذابات أكثر تخطر في بالك وأنتَ تنتظر من تحب، ومَن تفارق، ومَن ترجو عودته.

وبقيت الشرفة دون حبيب، ودون حب أو لقاء، والغيمة التي ترقبنا تتأملنا حزينة، فهي لم تعد ترانا سويا، وتسألنا عن لقاء في حضن ليل، أو دمعة على صدر، فالشرفة حزينة كذلك بلا حب ولا حبيب، بلا وعد، بلا حضن، بلا غيمة.
فها هي تنتظرنا متألمة لأنها ودّعت راحلا، وترقبه لعلّه يأتي! صعبٌ أن تصدّق الشرفة أنه لن يأتي، فهي شاهدة على دمعه عندما يفتقد حبيبته، فكم جلس حزينا يسائلها عن الغياب بلوعة الغياب، ووجد الأعماق حتى تعود من سكنت روحه، وباللهفة يتعانقان كم واسته في ساعات وحدته! وكم جالسها باكيا عندما رحل مودعا وغاب بعد أن دفن بيديه تابوت حبه، وجلس على قبره يذرف الدمع وينحب.
ومرّ العام تلوّ العام، أعوام كثيرة، ربيعها خريف، وشتاؤها ضجر، وصيفها لا نسيم فيه.

وأنا أنتظر بحماقة الانتظار، بجنون الأمل، علّه يأتي، ربما يأتي، أطرق الأبواب و أنادي بصوت مخنوق، ولا أسمع إلاّ صدّى صوتي حتى ملّت الطرقات مني، وأنّت خطواتي، فأخذت ألملم بقايا نفسي المبعثرة، وأحادث بصمتٍ أعماقي، وأتمرد على قلبي، وأتجلد، وأحاور نفسي: أن كفاك ضياعا وآلاما وجراحا، فمن أقسم العهد قد خان ورحل مودعاً عهوده ودافنا جثمان حبه، فلماذا البكاء؟ ولماذ ا النحيب؟ وأخذتُ أجفف دمعي وأتصبر، بكثيرٍ من العجز، وقليل من الصبر، أحمل ذكرياتي وأتعثر في كل خطوة.

كلّما أذكر يوم أن قال لي: أنتِ لن تكوني لغيري في يوم من الأيام، ولن أنساك يوما. سأفديكِ بعمري، سأهبكِ روحي، سأحطم كل الصخور التي تعترض طريقنا، ولن يكون إلا أنتِ، ستكونين الدم الجاري في شراييني، أنتِ العشق والمعشوقة، أنتِ العمر بل فيك يخضرّ عود عمري، أنتِ ملجئي وسرُُّ وجودي، أنتِ طرقاتي وخطواتي، ولهفتي ولوعتي. كانت كلماته تحييني وتعشش في عمق ذاتي، كانت عيونه بحراً على شطآنه ترسو سفن أحلامي، وتحمل منه كل ما يريد فهي التي تنطق في صمته، وفي حزنه، وفي فرحه. كم كنت أعشقها! فكلما كانت تطلّ من نافذتي عبر الصباحات الخريفيّة أحاورها: هل يكون بعد ذلك خيانة ويكون غدرا؟ ما أصعب أن نصدق خيانة من وضع يده على 
أذكر يومها، أن أتاني وكان بعجلةٍ من أمره، ملهوفاً مسرع الخطوات على غير طبيعته التي اعتدتها، يسارعني بالحضور إليه، دون أن يعطيني أي خبر، لماذاهو كذلك؟ أو ماذا يريد مني؟ وأنا أترقب حالته التي كان يبدو فيها وكأنه يسرق من الزمن شيئا في ساعة غفلة، ويستعجل لحظات غفوته قبل أن يفيق، ويرفض له كل ما يريد.
وسرت معه دون أن أدرك شيئا مما يحدث، ودخلتُ معه غرفة بأفكار مشتته لم أر بها شيئا غير ما فوجئت به وكانت أخته التي يأتمنها على سره، ويبوح بمكنونات نفسه إليها، تجلس هي الأخرى ونظراتها تجول حيرى وكأنها لا تدرك ماذا يريد.
وحاولت أن أعثر على جواب لتساؤلاتي لماذا أنا هنا ولماذا هو آت بي بكل هذا الاستعجال ولحظات حتى نظرت إلى زاوية قرب الباب، فإذا بالمفاجأة التي لم أتوقعها ولم تخطر لي على بال. مصحف مفتوح على طاولة، وكرسيان ينتظرانا بالجلوس، والتقطتّ أنفاسي لأسأله ماذا هناك؟ وأخته تترقبنا بعينين تفيضان بالدمع.

وبعد صمت خيّم للحظات لفّني بالخشوع أمام كتاب الله، لم أستطع النطق حتى اخترق لحظات الصمت تلك، وقال بصوت متقطع يبدو فيه كثيرٌ من الألم والخوف من المجهول: ضعي يدك على القرآن. ودون أن أحاوره بكلمة ودون تردد، وضعت يدي، وكثير من الخشوع يتملكني، ووضع يده فوق يدي، وقال بصوت يمازجه الحزن: اقسمي بأنك لن تكوني لغيري في يوم من الأيام. فأقسمت بكل هدوء، رغم أنّ الموقف كان يستدعي الكثير منّا لأن نقفَ على تلال الغد، لنرى أو نترقب ماذا سيكون لو أذهلنا الدّهر وأفجعنا بأمانينا؟ ولكن كل ذلك لم يمر في خاطري في تلك اللحظة، وأقسم هو كذلك بأن يبقى وفيّا، ولن يخون هذا العهد مهما كان، ومن هنا أصبح مَوثِقا يربطني به مدى الحياة، نحن معا مسؤولان عنه.

ورغم كلّ الأحلام التي نسجنا خيوطها معا، ولوحات الغد التي رسمناها في غفلة عن الزمن، فإن هذا الموثق قرّبنا من بعضنا، وجعل كلٌ منا أقرب للآخر من روحه، لا يبزغ فجرٌ، ولا تشرق شمسٌ، ولا يأتي مغيبٌ إلاّ ونكون سويا نسكن أعماق ذاتنا، يبكيه ألمي وحزني ويفرحه ضحكي، لا يهدأ بغيابي، وينتظرعودتي باللهفة واللوعة، وأنا كذلك أسكنته عمق ذاكرتي، لا يفارقني طيفه ولو للحظة، وقد أخذ من قلبي كل إحساسه ومن روحي كل وجدها، ومرت خمس سنوات إلى أن حدث ما حدث.
كثيرٌ من المباغتات تذهلنا في مفترقاتنا، وتشتتنا عن آمالنا، وتأخذ من أعمارنا الكثير. فهو الذي أخذ من عمري عمراً ومن قلبي زمناً، ومن عذاباتي دهراً، ورغم ذلك كانت العاصفة التي أثارت سكون أعماقنا، واقتلعت حقولاً غرسنا فيها بذور الأمل ومنتظرةً الربيع بعد شتاء يحييها، ولكن الربيع لم يأت، كل الفصول جاءت ولم يكن الربيع معها.
وذلك لأني فقدته في ليلة ربيع في شهر نيسان عندما اعتقل في منتصف الليلة الثالثة عشرة، لا أستطيع وصف ذلك اليوم الحزين، ولا وصف صباحا ته الكئيبة عندما صحوت من نومي، فإذا بإحساس غريب يلّفني ويخنقني، وأخذت أنتظره كما اعتدت ذلك لأحيي قلبي برؤيته.

ولكن هذا الصباح كان مميتا، كل ما فيه يدعوني للبكاء، وأنا أستعجل اللحظات للقائه فإذا بجارة تسكن قربنا، وقد كانت تشعر بمن أنتظر، نظرت إليّ بعيون تترقبني وقالت : سيطول انتظارك إنه في السجن الآن. لقد اعتقل في منتصف هذه الليلة، فأجبت بحالة هستيرية من؟ وكيف؟ ومتى كان ذلك ؟ .

بركان فجّر أعماقي، شعرت بدوار وكأنه زلزال حطّم فيّ كل شيء. ودخلت عالم الحزن والحرمان، ليال ملأى بالضجر والوحدة والبرد والصقيع مطرها جليد، لا قمر فيها ولا سمر.
وبكت الأماكن علينا، وأنا لا أعلم عنه شيئا، فهو معتقل في سجن المحتل، وأنا معتقلة في زنازين الوحدة والألم والغربة عنه، فقد اقتلعوا مني كل فرحة، وأخذني الخوف عليه إلى دروب ومفترقات ضبابية، تائهة أسائل عنه كل من عاش تجربة السجن.

ومرت شهور حتى سمحت زيارته وكان اليوم الذي سأراه فيه برفقة والدته وأخته التي هي صديقته، وكانت اللحظات الأولى التي مررنا فيها بتفتيش دقيق لعشر مرات وأنا أسير الخطوة الخطوة بأحاسيسَ ومشاعر شتّى من خوف وألم وحزن ولهفة. وكل منا ينتظر برجفة يرتعد بها جسده ، والجنود في كل مكان من أمامنا ومن خلفنا، فأدخلونا وأمرونا بالجلوس على مقعد خشبي يحاط بسياج طويل وأخذنا ننتظر، بعيون الخوف والرجاء ، ولا نسمع إلا صرير أبواب تفتح وتوصد، وجندي يضع يده على الزناد حارسا الباب، وآخر يصرخ بمن يحيد ولو خطوة عن مكانه. وكلما ابتعدت عيونهم قليلا عنا وقفنا برهة نترقب بعيون تتوق لرؤية الحبيب. 

ومرت دقائق وكأنها شهور كاد فيها قلبي ينفطر ألما من لوعة الانتظار فإذا بهم يأتون به من بعيد، وخلفه جندي بعينين تكاد تسحق كل الموجودين، وجلس خلف سياج يحتلّ دفء اللقاء ويبعثره، ويخطف لمسات الحب ليسجنها عبر ثقوبه التي لا نكاد نرى منها 
إلا ّلمحات وجه يفرح بألم ويبتسم بحزن، وجلس بلمحات متعبة أثقلها عذاب السجن. وكان قدومي إليه مفاجئا، لم يُخفِ اشتياقه الكبير ولا لوعته ولهفته ولكن بكثير من الغموض، عيونه هي التي حادثتني وناجتني ووعدتني بأن لا ينساني.
كانت نظراته تحمل العهد والحب ولكن بكثير من الخوف، وقال فيها كل شيء، رغم أنه لم يقل شيئا، وبعد نصف ساعة، صرخ جندي بصوت مزلزل أرجاء المكان أن انتهى الوقت، شعرت بتلك اللحظة، بهزيمة الزمن الأولى لحبي، فمن كان معي كل لحظة ألقاه بنهار الدفء وربيع الحياة أصبح لقاؤه الآن من خلف قضبان وحراسة جنود.

فهي الهزيمة الأولى، ولم أكن أعلم أنها ستجرّ وراءها الكثير من الخيبات، وتوالت الانكسارات عليّ بعدما أخذتُ أعدّ نفسي لفرحة خروجه من السجن، بعدما مرّ عام بضنى ليله وثقل شهوره، وكانت الأيام تعمقه في ذاتي، وحرماني منه يعلقني به، حتى أصبحتُ لا أرى الدنيا إلا به، ومعه. وكان اليوم الذي خرج فيه من السجن هو اليوم الأول في تاريخ فراقنا حيث لم يكن هو، أجل استقبلت في هذا اليوم حبيبا لم يكن هو الحبيب الذي ودعته قبل عام.

عندما سمعت بخبر مجيئه، لم تسعني الدنيا أخذت أسارع الطريق بالخطوات لأسابق الدقائق، وكل ما في نفسي يهتف ويناجي، والحنين يغالبني واللهفة لرؤيته تدخلني في عالم من الجنون، حتى اقترب من بعيد ولم يكن هو من عشقت، ولا من فارقت ولا هو الذي ارتحل عني كل شيء فيه تغيّر: كلامه وصمته ولهفته، لم يكن الحبيب الذي وهبته ذوب روحي واحتل ذاكرتي وكان تاريخي، إلى أن كانت الهزيمة.

بكثير من الحزن أخذت معطفي المبلل بقطرات الألم الصامت ومشيت بخطوات تئنّ وجرحٍٍ لن يندمل، وأخذتني الظنون بفكر شريد ضبابيّ لا يتضح فيه شيء، وكل يوم يمر يخلق في نفسي دهراً ثقيلا بعذاب وحرقة ووداع.

وهكذا توالت الأيام على قلبي لا أراه إلاّ بصمت وهروب، حتى عيونه التي كانت هي المرفأ، لم تعد ترسو بها إلا السفن المحطمة، وكذلك بقينا حتى كان اليوم الذي افترقنا فيه ، بكثير من الحزن تودّعنا لندخل منعطف جديد.
ومرت الأعوام لا يرى أي منا الآخر، تهت في مفترقات كثيرة، أسائل عنه الكون بفصوله، وحبات المطر والشجر، والبحر بموجه و شطآنه،و المغيب والأفق،والليل والقمر، ولا من مجيب......! حتى حجزت له مكانا في الذاكرة لا تستطيع يد الزمان أن تقترب منه، ومشيت طرقا طويلة مُضنية ألهث فيها من المتاعب التي نالت من روحي و قلبي، وركبت قطار الحياة دونه أنزل في محطات كثيرة بعيون تائهة تدور هنا وهناك لا أدري أي الأبواب أطرق؟ فكلها موصدة أمامي. 
محطات ومحطات تتغير وتتبدل وأنا حاملة تاريخ عمري متعثرة الخطوات، وسرت وكأن الزمان واقف مكانه، حتى كان ما لم أ توقعه، تمرد غريب انطلق في ذاتي على ذاتي وعلى ضعفي و أخذت أجمد دمعي وأداري جراحي، وأتناساه، وكلما أذكره أذكر خيانته و غدره و ضياعي بعده حتى يكبر التحدي.
وقد منعت نفسي من رؤية كل من يذكرني به، ولكن في أوقات كثيرة شعرت بالهزائم تلاحقني ولا تقوى نفسي على ذكراه، وكم من الأعوام مرت، بكثير من الخيبات، وقليل من الانتصارات، ولكن المكان غيّر ذاكرة الزمن ولكي تتحدى النفس يلزمك الكثير من الوقوف معها ومخاطبتها، تغلبها تارة بالتحدي، وتغالبك تارة بالألم، وأخرى بفلسفة الحياة، حتى أتقنت فلسفة الحزن وفلسفة الضحك بمنطق جديد، أحيا وأموت من جديد عبر محطات لم أكن يوما على ارتباط معها فهي تنقلنا عبر أنفاق لم أعهد سريّتها ولكن هي الحياة لا تعطيك شيئا إلاّ وتأخذ منك الكثير.

ليست هناك تعليقات :